حبيب الله الهاشمي الخوئي

169

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بالسنّ والأنف بالأنف وأنا أقول لكم لا تقاوموا الشرّ بالشرّ بل من ضرب خدّك الأيمن فحوّل إليه الخدّ الأيسر ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك ومن سخّرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين ، وكلّ ذلك أمر بالصّبر على الأذى . وفي الكافي عن حفص بن غياث قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام يا حفص : إنّ من صبر صبر قليلا وإنّ من جزع جزع قليلا . ثمّ قال : عليك بالصّبر في جميع أمورك فانّ اللَّه عزّ وجلّ بعث محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله فأمره بالصبر والرفق فقال : * ( « وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ » ) * وقال تبارك وتعالى : * ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَه ُ عَداوَةٌ كَأَنَّه ُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) * . فصبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله حتّى نالوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره فأنزل اللَّه جلّ وعزّ * ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) * . ثمّ كذّبوه ورموه فحزن لذلك صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فأنزل اللَّه عزّ وجلّ : * ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّه ُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ) * فألزم النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم نفسه الصّبر فتعدّوا ، فذكروا اللَّه عزّ وجلّ وكذبوه فقال : قد صبرت في نفسي وأهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكر إلهي فأنزل اللَّه عزّ وجلّ : * ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) * فصبر صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في جميع أحواله . ثمّ بشّر في عترته بالأئمة ووصفوا بالصّبر فقال جلّ ثناؤه * ( « وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ » ) * فعند ذلك قال النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله الصبر من الايمان كالرأس من الجسد ، فشكر اللَّه عزّ وجلّ له فأنزل اللَّه : * ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُه ُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ) * فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله إنّه بشرى وانتقام .